ابن كثير
195
البداية والنهاية
الأسعار جدا ، حتى إنه بلغ ثمن الغرارة ألف وستمائة ، وقنطار الدقيق تسعمائة ، والخبز كل وقيتين إلا ربع بدرهم ، ورطل اللحم بسبعة وبيعت الأملاك بالدقيق ، وأكلت القطاط والكلاب والميتات والجيفات ، وتماوت الناس في الطرقات وعجزوا عن التغسيل والتكفين والاقبار ، فكانوا يلقون موتاهم في الآبار ، حتى أنتنت المدينة وضجر الناس ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفي هذه الأيام توفي الشيخ تقي الدين ابن الصلاح ، شيخ دار الحديث وغيرها من المدارس ، فما أخرج من باب الفرج إلا بعد جهد جهيد ، ودفن بالصوفية رحمه الله . قال ابن السبط : ومع هذا كانت الخمور دائرة والفسق ظاهرا ، والمكوس بحالها وذكر الشيخ شهاب الدين أن الأسعار غلت في هذه السنة جدا ، وهلك الصعاليك بالطرقات ، كانوا يسألون لقمة ثم صاروا يسألون لبابة ثم تنازلوا إلى فلس يشترون به نخالة يبلونها ويأكلونها ، كالدجاج . قال : وأنا شاهدت ذلك . وذكر تفاصيل الأسعار وغلاءها في الأطعمة وغيرها ، ثم زال هذا كله في آخر السنة بعد عيد الأضحى ولله الحمد . ولما بلغ الصالح أيوب أن الخوارزمية قد مالؤا عليه وصالحوا عمه الصالح إسماعيل ، كانت الملك المنصور إبراهيم بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص ، فاستماله إليه وقوي جانب نائب دمشق معين الدين حسين بن الشيخ ، ولكنه توفي في رمضان من هذه السنة كما سيأتي في الوفيات . ولما رجع المنصور صاحب حمص عن موالاة الصالح إسماعيل شرع في جمع الجيوش من الحلبيين والتركمان والاعراب لاستنقاذ دمشق من الخوارزمية ، وحصارهم إياها ، فبلغ ذلك الخوارزمية فخافوا من غائلة ذلك ، وقالوا دمشق ما تفوت ، والمصلحة قتاله عند بلده ، فساروا إلى بحيرة حمص ، وأرسل الناصر دواد جيشه إلى الصالح إسماعيل مع الخوارزمية ، وساق جيش دمشق فانضافوا إلى صاحب حمص ، والتقوا مع الخوارزمية عند بحيرة حمص ، وكان يوما مشهودا ، قتل فيه عامة الخوارزمية ، وقتل ملكهم بركات خان ، وجئ برأسه على رمح ، فتفرق شملهم وتمزقوا شذر مذر ، وساق المنصور صاحب حمص إلى بعلبك فتسلمها الصالح أيوب ، وجاء إلى دمشق فنزل ببستان سامة خدمة للصالح أيوب ، ثم حدثته نفسه بأخذها فاتفق مرضه ، فمات رحمه الله في السنة الآتية ، ونقل إلى حمص ، فكانت مدة ملكه بعد أبيه عشر سنين ، وقام من بعده فيها ابنه الملك الأشرف مدة سنتين ، ثم أخذت منه على ما سيأتي وتسلم نواب الصالح أيوب بعلبك وبصرى ، ولم يبق بيد الصالح إسماعيل بلد يأوي إليه ولا أهل ولا ولد ولا مال ، بل أخذت جميع أمواله ونقلت عياله تحت الحوطة إلى الديار المصرية ، وسار هو فاستجار بالملك الناصر بن العزيز بن الظاهر غازي صاحب حلب ، فآواه وأكرمه واحترمه ، وقال الأتابك لؤلؤ الحلبي لابن أستاذه الناصر ، وكان شابا صغيرا : انظر إلى عاقبة الظلم . وأما الخوارزمية فإنهم ساروا إلى ناحية الكرك فأكرمهم الناصر داود صاحبها ، وأحسن إليهم وصاهرهم وأنزلهم بالصلت